حبيب الله الهاشمي الخوئي

100

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

لفظ الحبل للقرآن باعتبار كونه سببا لمتعلَّميه ومتدبّريه إلى التروّى من ماء الحياة الباقية كالعلوم والأخلاق الفاضلة كالحبل هو سبب الارتواء والاستسقاء من الماء أو باعتبار كونه عصمة لمن تمسّك به صاعدا من دركات الجهل إلى أقصى درجات العقل كالحبل يصعد فيه من السفل إلى العلو ، انتهى والأظهر أنّ تشبيهه بالحبل لأنّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض كما في أخبار الثقلين : من اعتصم به فاز ونجا وارتقى به إلى مقام القرب والزلفى ، ومن تركه ولم يعتصم به ضلّ وغوى وفى مهواة المهانة هوى . السادس أنّهم ( يحيون سنن اللَّه وسنن رسوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ) أي يقومون بنشر آثار الدّين ويواظبون على وظايف الشّرع المبين بأقوالهم وأعمالهم السابع أنّهم ( لا يستكبرون ولا يعلون ) لما قد علموا من مخازي الكبر والتّرفع ومفاسده التي تضمّنتها هذه الخطبة الشريفة وغيرها من الخطب المتقدّمة ( و ) الثامن أنّهم ( لا يغلون ) أي لا يحقدون ولا يحسدون علما منهم برذايل الحقد والحسد المتكفلة لبيانها الخطبة الخامسة والثمانون وشرحها ، ولرذالة هذه الصّفة ودنائتها أخرجها سبحانه من صدور أهل الجنّة كما قال في وصفهم * ( « ونَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ » ) * أي أخرجنا ما في قلوبهم من حقد وحسد وعداوة في الجنّة حتّى لا يحسد بعضهم بعضا وإن رآه أرفع درجة منه ، وعلى كون يغلون من الغلول فالمراد براءتهم من وصف الخيانة لمعرفتهم برذالتها . ( و ) التاسع أنّهم ( لا يفسدون ) أي لا يحدثون الفساد لأنّه من صفة الفسّاق والمنافقين كما قال تعالى * ( وإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ) * الآية قال الطبرسيّ : معناه إذا قيل للمنافقين لا تفسدوا في الأرض بعمل المعاصي وصدّ الناس عن الايمان أو بممايلة الكفار فانّ فيه توهين الاسلام أو بتغيير الملَّة وتحريف الكتاب . والعاشر أنّ ( قلوبهم في الجنان وأجسادهم في العمل ) يعني أنّ قلوبهم متوجّهة إلى الجنان مشتاقة إلى الرّضوان ، فهم والجنّة كمن قد رآها وهم فيها منعّمون ، ومحصّله أنّ نفوسهم بكلَّيتها معرضة عن الدّنيا مقبلة إلى الآخرة ،